محمد أبو زهرة

1766

زهرة التفاسير

وإن السبب في أن يجاهد المؤمنون في سبيل الله ، وهي سبيل الحق ورفع الإنسانية ، والمحافظة على كرامة الإنسان ، هو إيمانهم ، فالإيمان يدفع إلى أسمى الغايات والدفاع عنها ، وذلك السمو هو سبيل الله تعالى ، والكافرون لعدم إيمانهم بالمثل العليا الإنسانية يقاتلون في سبيل الطغيان والسيطرة الظالمة على الأرض . وإن هذه ظاهرة ثابتة ، فالقتال في ظل الدين ، والتمسك بمثله العليا ، رفعة للإنسانية ، ومنع الفساد ، ومنع لتحكم الرذيلة في الفضيلة . والماضي ينبئ عن ذلك ، فقتال النبي والصحابة من بعده كان فيه حد من طغيان الملوك ، وظلم الظالمين ، ونشر للواء العدل ، ومنع للفتنة في الدين ، وتحكم الإنسان في أخيه الإنسان . وقد وصف الله المؤمنين إذا انتصروا ، فقال سبحانه وتعالى في أحوالهم : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ( 41 ) [ الحج ] ، أي أنهم إذا انتصروا رفعوا لواء العدل ، وأقاموا مجتمعا فاضلا على أساس من الفضيلة ودفع الرذيلة . وأما الذين لا يذعنون للحق ، ولا يؤمنون به ، ولا يقيمون للفضيلة وزنا ، فإن قتالهم في سبيل الغلب ، والسلطان الغاشم ، والتحكم والسيطرة ، وإن الماضي والحاضر يشهدان بصدق ذلك ، وإن العيان ليؤيد هذه الشهادة الصادقة . ألم تر إلى أولئك الذين يتحكمون الآن في مصاير العالم ، لا يفكرون إلا في الغلب على قطعة من الأرض يستولون عليها ، أو يبسطون نفوذهم فيها ، وما ذلك إلا طغيان المتحكمين المسيطرين في بلادهم ! وانظر نظرة عميقة إلى أولئك الذين وضعوا أيديهم على أدوات الحرب المخربة ، التي إن ألقيت لا تبقى ولا تذر ، وتأكل الأخضر واليابس ، فإنهم يتغالبون على النفوذ ، ولو استشيرت أممهم فردا فردا ، لاستنكروا ما هم مقدمون عليه أو يكادون ! فالحروب التي يثيرها الكافرون في هذا الزمان لا يدفعها إلا طغيان أفراد معدودين ، يتحكمون في الشعوب ومصائرها ، بطريقة أقسى مما كان يتحكم الملوك من قبل ! .